مناع القطان
266
مباحث في علوم القرآن
كالطود الشامخ . تذل أمامه الأعناق خاضعة . لا تفكر في أن تدانيه ، فضلا عن أن تساميه ، لأنها أشد عجزا وأقل طمعا في هذا المطلب العزيز . وسيظلّ الأمر كذلك إلى يوم الدين . ولا يستطيع أحد أن يدعي عدم الحاجة إلى معارضة القرآن ، وإن كان ذلك ممكنا ، فإن التاريخ يشهد بأنه قد توافرت الدواعي الملحة لدى القوم لمعارضة القرآن ، حيث وقفوا من الرسالة وصاحبها موقف الجحود والنكران ، واستثار القرآن حميتهم . وسفه أحلامهم ، وتحداهم تحديا سافرا يثير حفيظة الجبان الرعديد مع ما كانوا عليه من أنفة وعزة . فسلكوا مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم مسالك شتى ، ساوموه بالمال والملك ليكف عن دعوته ، وقاطعوه ومن معه حتى يموتوا جوعا . واتهموه بالسحر والجنون ، وتآمروا على حبسه ، أو قتله أو إخراجه . وقد دلهم على الطريق الوحيد لإسكاته وهو أن يجيئوه بكلام مثل الذي جاءهم به ، « ألم يكن ذلك أقرب إليهم وأبقى عليهم لو كان أمره في يدهم ؟ ولكنهم طرقوا الأبواب كلها إلا هذا الباب ، وكان القتل والأسر والفقر والذل وكل أولئك أهون عليهم من ركوب هذا الطريق الوعر الذي دلهم عليه ، فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز ؟ » والقرآن الذي عجز العرب عن معارضته لم يخرج عن سنن كلامهم . ألفاظا وحروفا ، تركيبا وأسلوبا ، ولكنه في اتساق حروفه ، وطلاوة عبارته ، وحلاوة أسلوبة ، وجرس آياته ، ومراعاة مقتضيات الحال في ألوان البيان ، في الجمل الاسمية والفعلية . . وفي النفي والإثبات ، وفي الذكر والحذف ، وفي التعريف والتنكير ، وفي التقديم والتأخير ، وفي الحقيقة والمجاز ، وفي الاطناب والإيجاز . وفي العموم والخصوص ، وفي الإطلاق والتقييد ، وفي النص والفحوى . . وهلم جرا - ولكن القرآن في هذا ونظائره بلغ الذروة التي تعجز أمامها القدرة اللغوية لدى البشر . عن ابن عباس : « أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال له : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتتعرض لما قبله . قال :